2026-05-19 06:04
مستجدات

المغرب يعزز موقعه في مؤشر النزاهة العالمي ويؤكد تقدمه في مكافحة الفساد

المغرب يعزز موقعه في مؤشر النزاهة العالمي ويؤكد تقدمه في مكافحة الفساد
سجل المغرب تقدماً ملحوظاً في مجال النزاهة العامة ومكافحة الفساد، وفق ما كشف عنه تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان “توقعات النزاهة ومكافحة الفساد 2026”، حيث وضع المملكة في مرتبة متقدمة مقارنة بعدد من الدول، بما في ذلك بعض الدول الأعضاء في المنظمة.

تقدم واضح في الإطار الاستراتيجي

أبرز التقرير أن المغرب نجح في ترسيخ إطار استراتيجي متين للوقاية من الفساد، بعدما استوفى حوالي 73 في المائة من المعايير المعتمدة دولياً، متجاوزاً بذلك بشكل لافت متوسط دول المنظمة الذي لا يتعدى 38 في المائة. ويعكس هذا الفارق الكبير، حسب التقرير، تحولات عميقة في السياسات العمومية المرتبطة بالحكامة، خاصة في ما يتعلق بتقوية آليات الوقاية وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات.

هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم إصلاحات قانونية ومؤسساتية، همّت تحديث الترسانة التشريعية، وتفعيل أدوار مؤسسات الرقابة، فضلاً عن رقمنة عدد من الخدمات الإدارية التي قلّصت من هامش التدخل البشري، وبالتالي من فرص الفساد.

التنفيذ العملي: نقطة قوة إضافية

ولم يقتصر تطور المغرب على مستوى النصوص القانونية، بل امتد إلى مرحلة التنفيذ، حيث سجلت المملكة نسبة 53 في المائة في تطبيق سياسات النزاهة، مقارنة بـ32 في المائة فقط لدى دول المنظمة. ويعني ذلك أن الإصلاحات لم تبق حبيسة القوانين، بل بدأت تنعكس بشكل تدريجي على الممارسات داخل الإدارات العمومية.

ويُعتبر هذا المؤشر من بين أهم المعايير التي تقيس جدية الدول في محاربة الفساد، إذ غالباً ما تواجه العديد من الدول تحديات في تحويل القوانين إلى إجراءات ملموسة، وهو ما يبدو أن المغرب نجح نسبياً في تجاوزه خلال السنوات الأخيرة.

ضبط تمويل الحياة السياسية

في ما يتعلق بتمويل الحياة السياسية، أشار التقرير إلى التزام المغرب الصارم بالمعايير المنظمة لهذا المجال، سواء على مستوى الإطار القانوني أو التطبيق. ويعتمد النظام المغربي على قواعد واضحة تمنع التبرعات مجهولة المصدر، وتحظر التمويلات الأجنبية أو المرتبطة بمؤسسات عمومية، مع فرض سقوف محددة للمساهمات الفردية خلال الحملات الانتخابية.

كما تُلزم القوانين الأحزاب السياسية بتقديم تقارير مالية سنوية، يتم تتبعها ومراقبتها من طرف المجلس الأعلى للحسابات، الذي يقوم بنشر هذه المعطيات للعموم، واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تسجيل أي خروقات، وهو ما يعزز مبدأ الشفافية والمساءلة.

تقدم في الحق في الحصول على المعلومات

وسلط التقرير الضوء أيضاً على تطور المغرب في مجال الحق في الحصول على المعلومات، حيث بلغت نسبة الامتثال للإطار القانوني 78 في المائة، مقابل 54 في المائة على مستوى التنفيذ. وتُعد هذه الأرقام مؤشراً إيجابياً على انفتاح الإدارة العمومية، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بسرعة الاستجابة وجودة المعلومات المقدمة.

ويمثل هذا المجال ركيزة أساسية في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، إذ يتيح الوصول إلى المعلومات تتبع السياسات العمومية وتقييم أدائها بشكل أكثر شفافية.

تحليل: مكاسب مهمة وتحديات قائمة

يعكس هذا التقدم، في مجمله، انتقال المغرب إلى مرحلة أكثر نضجاً في مجال الحكامة، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على سنّ القوانين، بل أصبح يشمل تفعيلها ومراقبة أثرها. غير أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب مواصلة الإصلاحات، خاصة في ما يتعلق بتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز استقلالية هيئات الرقابة، وتكريس ثقافة النزاهة داخل المجتمع.

كما أن الفجوة المسجلة بين الإطار القانوني ومستوى التنفيذ في بعض المجالات تشير إلى ضرورة تسريع وتيرة التطبيق، وضمان انسجام مختلف المؤسسات مع الأهداف المعلنة.

تأثير مباشر على المغرب

يحمل هذا التقدم انعكاسات إيجابية متعددة على المغرب، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فمن جهة، يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية، ويشجع على الاستثمار عبر توفير بيئة أكثر شفافية واستقراراً. ومن جهة أخرى، يقوي صورة المملكة على الصعيد الدولي، خاصة لدى الشركاء الاقتصاديين والمؤسسات المالية العالمية.

وفي سياق يتسم بتنافسية متزايدة بين الدول لجذب الاستثمارات، يُعد تحسين مؤشرات النزاهة عاملاً حاسماً، ما يمنح المغرب فرصة لتعزيز موقعه كوجهة موثوقة في المنطقة.

نحو ترسيخ نموذج حكامة مستدام

في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج حكامة قائم على الشفافية والمساءلة. غير أن التحدي الأكبر يظل في ضمان استدامة هذا التقدم، وتحويله إلى ثقافة مؤسساتية ومجتمعية راسخة، قادرة على مواجهة مختلف أشكال الفساد في المستقبل.

ويبقى الرهان، وفق متابعين، هو الانتقال من مرحلة الإصلاحات الهيكلية إلى تحقيق أثر ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية، وهو ما سيشكل المعيار الحقيقي لنجاح هذه الجهود على المدى الطويل.
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.