يتجه المغرب نحو إحداث تحول عميق في منظومة العدالة الجنائية، من خلال تعزيز آلية “الصلح” أو ما يُعرف بالعدالة التصالحية، كخيار استراتيجي يهدف إلى تخفيف الضغط المتزايد على المحاكم والحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، في خطوة تعكس تطورًا في الفلسفة القانونية من منطق العقاب الصرف إلى منطق الإصلاح وجبر الضرر. هذا التوجه جاء في سياق مستجدات مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، الذي يحمل معه رؤية جديدة تسعى إلى تحقيق توازن بين حقوق الضحايا وإعادة إدماج الجناة داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن ملامح هذه الإصلاحات، مؤكداً أن العدالة التصالحية لم تعد مجرد خيار نظري، بل أصبحت توجهاً عملياً يراد من خلاله إرساء نموذج قضائي أكثر إنصافاً ونجاعة، يمنح للضحية دوراً محورياً في مسار العدالة، من خلال تمكينها من تعويض مادي أو معنوي، مقابل تحمل الجاني لمسؤوليته بشكل مباشر، وهو ما يسهم في الحد من تكرار الجرائم ويعزز فرص إعادة الإدماج.
وجاء هذا النقاش في سياق سؤال برلماني تقدم به أحمد تويزي، الذي اعتبر أن العدالة التصالحية، رغم أهميتها، ما تزال دون مستوى التفعيل المطلوب على أرض الواقع، واصفاً إياها بأنها “ثورة تشريعية لم تترجم بعد بشكل فعلي داخل المحاكم”. وأشار إلى أن القانون الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ مؤخراً، تضمن مقتضيات متقدمة تتيح اعتماد الصلح كآلية توقف الدعوى العمومية أو تنهيها، بل ويمكن أن تضع حداً لتنفيذ العقوبات، بما في ذلك بعض العقوبات الحبسية، وهو ما يشكل تحولاً غير مسبوق في التشريع الجنائي المغربي.
ورغم هذه الإمكانيات القانونية، فإن التحدي الحقيقي، حسب متابعين، يكمن في كيفية تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، خاصة أن نجاح هذا الورش يتطلب انخراطاً فعلياً من مختلف الفاعلين في منظومة العدالة، من قضاة ومحامين ونيابة عامة، إلى جانب المرتفقين، بهدف تحقيق الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لهذا الإصلاح، وتعزيز ثقافة التسامح والمسؤولية المشتركة داخل المجتمع.
ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها التعديل، توسيع نطاق الجرائم التي يمكن أن يشملها الصلح، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الجنح البسيطة، بل أصبح يشمل أيضاً بعض القضايا التي لا تتجاوز غراماتها 100 ألف درهم، أو تلك التي يعاقب عليها بإحدى العقوبتين فقط، إضافة إلى إدراج مجموعة من النزاعات اليومية التي تمس حقوق الأفراد بشكل مباشر، وهو ما من شأنه أن يفتح المجال أمام حل عدد كبير من القضايا خارج المسار التقليدي للمحاكم.
كما تم تبسيط مسطرة الصلح، عبر تقليص الإجراءات المعقدة التي كانت تعيق تفعيلها، ومنح النيابة العامة صلاحية اقتراح الصلح أو الدعوة إليه، مع إمكانية الاستعانة بوسطاء أو بمكاتب المساعدة الاجتماعية، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الأسري، فضلاً عن إقرار إمكانية إجراء الصلح حتى أمام قاضي التحقيق، وهو ما يوسع من نطاق هذه الآلية ويجعلها حاضرة في مختلف مراحل الدعوى.
ويراهن المغرب من خلال هذا التوجه الجديد على تحقيق نتائج ملموسة، سواء من خلال تخفيف الضغط عن المحاكم التي تعاني من تزايد الملفات، أو من خلال الحد من الاكتظاظ داخل السجون، عبر اعتماد بدائل عقابية أكثر مرونة وإنسانية، تضمن في الوقت نفسه حقوق الضحايا وتساهم في إعادة إدماج الجناة داخل المجتمع. كما أن هذا التحول يعكس رغبة واضحة في مواكبة التطورات التي تعرفها الأنظمة القضائية الحديثة، والتي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على آليات بديلة لحل النزاعات، تقوم على الحوار والتوافق بدل المواجهة والعقاب.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العدالة التصالحية في المغرب تقف اليوم عند مفترق طرق، بين نصوص قانونية متقدمة وطموح إصلاحي كبير، وبين تحديات التنزيل العملي على أرض الواقع، وهو ما سيحدد في نهاية المطاف مدى نجاح هذا الورش في إرساء نموذج قضائي أكثر عدلاً وفعالية، قادر على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وإنصاف الأفراد
المغرب يتجه نحو “الصلح”.. إصلاح قضائي جديد لتخفيف اكتظاظ السجون وتسريع المحاكمات
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.
