عاد موضوع غياب الأنشطة الموازية داخل المؤسسات التعليمية بالمغرب إلى الواجهة من جديد، بعد أن أثير داخل البرلمان، في سياق يتزايد فيه النقاش حول دور المدرسة في تكوين شخصية التلميذ، وليس فقط في تلقينه المعارف الدراسية. هذا النقاش يعكس قلقًا حقيقيًا لدى عدد من الفاعلين التربويين، الذين يرون أن المدرسة المغربية ما زالت تركز بشكل كبير على الجانب الأكاديمي، مقابل إهمال واضح للحياة المدرسية والأنشطة الموازية التي تشكل عنصرًا أساسيًا في بناء شخصية متوازنة ومبدعة.
وفي هذا السياق، وجهت البرلمانية إلهام الساقي سؤالاً إلى وزارة التربية الوطنية، تساءلت فيه عن أسباب غياب أو ضعف هذه الأنشطة داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية، داعية إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لإعادة الاعتبار لها. وأكدت أن الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية ليست مجرد إضافة ثانوية، بل تمثل جزءًا لا يتجزأ من العملية التربوية، لما توفره من فرص لتنمية مهارات التلاميذ وصقل مواهبهم، إلى جانب ترسيخ قيم التعاون والمواطنة.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن العديد من المدارس، خاصة في المناطق الهامشية والقروية، تعاني من غياب شبه تام للأنشطة الموازية، حيث يجد التلميذ نفسه محصورًا في نمط تعليمي تقليدي يقتصر على الحصص الدراسية فقط، دون أي متنفس يتيح له التعبير عن قدراته أو اكتشاف ميولاته. هذا الوضع لا يؤثر فقط على الجانب النفسي للتلميذ، بل قد ينعكس أيضًا على تحصيله الدراسي، إذ أن غياب التحفيز والأنشطة المرافقة يجعل البيئة المدرسية أقل جاذبية، وقد يدفع البعض إلى فقدان الاهتمام بالدراسة أو حتى الانقطاع عنها في حالات معينة.
ويرى عدد من المختصين في مجال التربية أن الأنشطة الموازية تلعب دورًا محوريًا في تكوين شخصية التلميذ، فهي تساهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية روح المبادرة، وتشجيع العمل الجماعي، إضافة إلى الحد من بعض السلوكيات السلبية داخل الوسط المدرسي. كما أنها تفتح المجال أمام التلاميذ لاكتشاف مواهبهم في مجالات متعددة، مثل الرياضة والفن والمسرح، وهو ما ينعكس إيجابًا على مسارهم الدراسي والشخصي على حد سواء.
أما بخصوص أسباب هذا الغياب، فيرجعها متتبعون إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف الإمكانيات المادية داخل عدد من المؤسسات، وغياب التأطير التربوي المتخصص، إضافة إلى ضغط الزمن المدرسي وكثافة البرامج الدراسية، التي تترك هامشًا ضيقًا لمثل هذه الأنشطة. كما أن بعض المؤسسات تفتقر إلى البنيات التحتية المناسبة، مثل الملاعب أو القاعات متعددة الاستعمالات، ما يجعل تنظيم الأنشطة أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان.
وفي المقابل، تتجه الأنظمة التعليمية الحديثة نحو اعتماد مقاربة شمولية تجعل من المدرسة فضاءً متكاملاً يجمع بين التعلم الأكاديمي والتكوين الشخصي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في مكانة الأنشطة الموازية داخل المنظومة التعليمية المغربية. ويؤكد عدد من المهتمين أن إصلاح هذا الجانب يتطلب إدماج هذه الأنشطة ضمن الزمن المدرسي بشكل رسمي، وتوفير موارد بشرية مؤهلة للإشراف عليها، إلى جانب دعم المؤسسات بالإمكانيات اللازمة، وتشجيع الشراكات مع جمعيات المجتمع المدني.
في ظل هذه المعطيات، يبقى غياب الأنشطة الموازية داخل المدارس المغربية إشكالية حقيقية تستدعي تدخلاً عاجلاً، خاصة وأن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح مرتبطًا بتكوين إنسان متكامل قادر على الإبداع والتفاعل مع تحديات العصر. فالمدرسة لم تعد مجرد فضاء للتلقين، بل مطالبة بأن تكون بيئة حيوية تحتضن طاقات التلاميذ وتواكب تطلعاتهم، وهو ما لن يتحقق دون إعادة الاعتبار للحياة المدرسية بمختلف أبعادها
غياب الأنشطة الموازية بالمدارس يثير الجدل.. دعوات لإصلاح شامل للحياة المدرسية
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.
