بعد فترة غياب دامت لسنوات، يعود واحد من أبرز المواعيد الكوميدية في المغرب إلى الواجهة، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة تعكس تحولات عميقة في رؤيته وتنظيمه، حيث يستعد مهرجان “مراكش للضحك” للعودة من جديد تحت اسم “Marrakech Comedy Festival”، في محاولة لإعادة إحياء هذا الحدث الفني الذي ارتبط اسمه لسنوات بالكوميديا الفرنكوفونية وبحضور أسماء بارزة من المغرب وخارجه. هذا المهرجان، الذي أطلقه الفنان الفرنسي من أصول مغربية جمال دبوز سنة 2011، نجح في أن يتحول إلى منصة فنية تجمع بين الضحك والتبادل الثقافي، قبل أن يتوقف منذ سنة 2020 بسبب تداعيات جائحة كورونا، ثم يعود بشكل محتشم سنة 2022، قبل أن يدخل مرة أخرى في مرحلة جمود فرضتها تحديات تنظيمية ولوجستية معقدة.
عودة المهرجان في سنة 2026 لا تبدو مجرد استئناف لنشاط سابق، بل تحمل في طياتها رغبة واضحة في إعادة البناء، خاصة بعد الاعتراف بالصعوبات التي واجهت الحدث خلال السنوات الأخيرة، والتي لم تقتصر فقط على الظروف الصحية العالمية، بل امتدت أيضاً إلى عوامل أخرى مثل تداعيات الزلزال الذي عرفته بعض مناطق المغرب، إضافة إلى التوترات التي أثرت على العلاقات بين المغرب وفرنسا، وهو ما جعل تنظيم المهرجان أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. في هذا السياق، أقر جمال دبوز في تصريحات سابقة بأن الحفاظ على استمرارية المهرجان لم يكن أمراً سهلاً، رغم الطموحات الكبيرة التي رافقته منذ انطلاقه.
النسخة الجديدة من المهرجان تحمل تغييرات جوهرية، أولها تغيير الاسم إلى “Marrakech Comedy Festival”، في خطوة تعكس رغبة في إعطاء نفس دولي أوسع للحدث، وجعله أكثر انفتاحاً على جمهور متنوع يتجاوز الإطار التقليدي. كما تم تغيير مكان تنظيم العروض، حيث ستحتضن قاعات قصر المؤتمرات فعاليات المهرجان ما بين 4 و6 يونيو 2026، بدل الفضاء التاريخي لقصر البديع الذي كان يشكل رمزاً للنسخ السابقة. هذا التحول لا يعكس فقط تغييراً في الشكل، بل يشير أيضاً إلى توجه جديد في طريقة تقديم العروض وتنظيمها بما يتماشى مع متطلبات العصر.
ومن أبرز التحولات كذلك، انتقال المهرجان إلى مرحلة جديدة على مستوى البث، حيث لن يُعرض هذه المرة على القناة الفرنسية M6 كما كان معتاداً، بل سيتم بثه عبر منصة “Disney+”، في خطوة تعكس التحول نحو المنصات الرقمية التي أصبحت تفرض نفسها بقوة في عالم الإنتاج الفني، إلى جانب بثه على قنوات مثل 2M وTV5 Monde، ما يمنحه انتشاراً أوسع ويقربه من جمهور أكبر داخل المغرب وخارجه.
وعلى مستوى التنظيم، اختار جمال دبوز أن يسلم مشعل الإشراف لشقيقه كريم دبوز، أحد الأسماء التي رافقت المشروع منذ بدايته، في خطوة تعكس انتقالاً تدريجياً نحو جيل جديد من القائمين على هذا الحدث. في المقابل، تم إسناد مهمة تنشيط العروض للكوميدي مالك بنطلحة، الذي برز اسمه في السنوات الأخيرة داخل الساحة الكوميدية الفرنكوفونية، والذي أكد في تصريحاته أنه لا يسعى لتعويض جمال دبوز، بل لكتابة فصل جديد من تاريخ المهرجان بروح مختلفة.
هذا التوجه الجديد لا يخفي الرغبة في إعادة تعريف هوية المهرجان، حيث يسعى المنظمون إلى جعله فضاءً للتلاقي الثقافي وبناء جسور بين المغرب وفرنسا، بل وحتى داخل الفضاء الفرنكوفوني بشكل عام، من خلال الكوميديا التي تبقى لغة مشتركة قادرة على تجاوز الحدود. كما يراهن القائمون على هذه النسخة على تقديم تجربة فنية متجددة تجمع بين الفكاهة والبعد الإنساني، في وقت يعيش فيه العالم توترات متعددة، ما يجعل الضحك وسيلة للهروب المؤقت من ضغوط الواقع.
أما على مستوى البرمجة، فقد تم الإعلان عن مشاركة مجموعة من الكوميديين المعروفين، من بينهم بول دو سان سيرنان، ومريم بنوعة، ونوردين غانسو، إلى جانب أسماء أخرى من المغرب وإفريقيا، مع وعود بحضور مفاجآت وأسماء وازنة قد تضيف المزيد من الجاذبية لهذا الحدث. هذا التنوع في الأسماء يعكس رغبة في توسيع دائرة المشاركة والانفتاح على تجارب مختلفة، وهو ما قد يمنح المهرجان نفساً جديداً يعزز مكانته على الساحة الفنية.
ورغم كل هذه التغييرات، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة “Marrakech Comedy Festival” على تجاوز الإكراهات التي واجهت النسخ السابقة، وإقناع الجمهور بعودة قوية تليق بتاريخه، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة في مجال المهرجانات الفنية. فنجاح هذه النسخة لن يكون فقط في عدد الحضور أو الأسماء المشاركة، بل في القدرة على خلق تجربة متكاملة تعيد الثقة لهذا الموعد الكوميدي وتمنحه استمرارية حقيقية في السنوات المقبلة
بعد سنوات من الغياب.. مهرجان مراكش للضحك يعود بحلة جديدة واسم مختلف يفتح صفحة جديدة للكوميديا
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.
