يبدو أن جولة أبريل من الحوار الاجتماعي عادت هذا الأسبوع لتحتل موقعا متقدما في النقاش العمومي بالمغرب، مع تصاعد الترقب داخل الأوساط النقابية والوظيفية لما يمكن أن تفضي إليه الاجتماعات المنتظرة بين الحكومة والمركزيات النقابية. ووفق ما تداولته هسبريس في تغطية حديثة، فإن هذا المسار يوجد بين “الالتزامات والانتظارات”، في إشارة إلى الفجوة التي قد تظهر أحيانا بين ما تم الإعلان عنه في جولات سابقة وما تنتظره فئات واسعة من نتائج ملموسة على مستوى الأجور والملفات القطاعية وتسوية أوضاع مهنية عالقة. كما أفادت تقارير منشورة مطلع أبريل بأن الحكومة أكدت انعقاد جولة أبريل من الحوار الاجتماعي، في وقت سبقتها حوارات قطاعية ومراسلات احتجاجية أعادت بعض الملفات إلى الواجهة النقابية.
الرهان الأساسي في هذا الملف لا يتعلق فقط بزيادة الأجور أو تحسين التعويضات، بل أيضا باستعادة الثقة في آلية الحوار نفسها. فالحوار الاجتماعي، من حيث المبدأ، ليس مناسبة موسمية للتهدئة، بل يفترض أن يكون أداة مستمرة لتدبير التوترات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات قطاعية أو احتجاجات ممتدة. ولهذا السبب، فإن جولة أبريل الحالية تحظى باهتمام مضاعف، لأنها تأتي في ظرفية يشعر فيها عدد من العاملين والموظفين بأن القدرة الشرائية ما زالت تحت الضغط، وأن الانتظارات المعيشية أكبر من الاكتفاء بالوعود العامة.
كما أن تعدد الملفات المطروحة يزيد من تعقيد المشهد. فهناك ملفات مرتبطة بالشغيلة في الوظيفة العمومية، وأخرى تخص الجماعات الترابية، وثالثة تتصل بالتعليم والصحة وقطاعات تعرف مطالب متراكمة منذ سنوات. وحين تتزاحم هذه الملفات في لحظة تفاوضية واحدة، يصبح السؤال المطروح ليس فقط: ماذا ستمنح الحكومة؟ بل أيضا: ما الذي يمكن ترتيبه حسب الأولوية؟ هنا يظهر التحدي الحقيقي، لأن النجاح لا يقاس بحجم الخطاب، وإنما بمدى وضوح البرمجة الزمنية والقدرة على تحويل المخرجات إلى قرارات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
اللافت كذلك أن النقاش حول الحوار الاجتماعي لم يعد شأنا نقابيا صرفا، بل صار موضوعا يمس صورة الأداء الحكومي كله. فكل جولة ناجحة تمنح انطباعا بوجود قدرة على التفاوض والاحتواء، بينما كل تعثر يعيد الحديث عن ضعف الوساطة وعن اتساع المسافة بين المؤسسات والفئات الاجتماعية المعنية. ومن هذه الزاوية، فإن جولة أبريل تمثل اختبارا مزدوجا: اختبارا للحكومة في ما يخص الوفاء بالتزاماتها، واختبارا للنقابات في ما يتعلق بقدرتها على التفاوض الفعال وتوحيد الأولويات بدل الاكتفاء برفع سقف الانتظارات.
تحليلًا، يمكن القول إن نجاح هذا المسار في الأيام المقبلة سيتوقف على عنصرين بسيطين لكن حاسمين: الوضوح والواقعية. الوضوح في ما يمكن تنفيذه فعلا، والواقعية في ترتيب المطالب دون تضخيم. أما إذا بقيت لغة الحوار عامة ومفتوحة دون مؤشرات عملية، فستتحول جولة أبريل إلى محطة أخرى في سلسلة الانتظار. وفي السياق المغربي الحالي، يبدو أن المزاج الاجتماعي لم يعد يكتفي بالشعارات المطمئنة، بل يبحث عن أثر مباشر في الدخل، والوضعية المهنية، والإحساس العام بالإنصاف
الحوار الاجتماعي في أبريل يضع الحكومة والنقابات أمام اختبار المصداقية
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.
