2026-05-19 05:02
مستجدات

الصحة العامة بين الدرس المغربي والقلق العالمي.. لماذا عاد ملف التلقيح إلى الواجهة بقوة؟

الصحة العامة بين الدرس المغربي والقلق العالمي.. لماذا عاد ملف التلقيح إلى الواجهة بقوة؟
عاد ملف الصحة الوقائية إلى الواجهة في المغرب والمنطقة بشكل واضح، خاصة بعد المعطيات التي أوردتها منظمة الصحة العالمية بخصوص تفشي الحصبة في المغرب منذ أكتوبر 2023، مع امتداد الوباء إلى جميع الجهات بدرجات متفاوتة. ووفق المنظمة، أطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية حملة وطنية استدراكية للتلقيح في مارس 2024 استهدفت من هم دون 18 عامًا، ونُفذت عبر فرق ثابتة ومتنقلة في المدارس والمراكز الصحية، كما كشفت الحملة تحديات مرتبطة بالتردد في أخذ اللقاح.

هذه المعطيات تجعل النقاش الصحي في المغرب أوسع من مجرد التعامل مع مرض بعينه. فالمسألة ترتبط أيضًا بكيفية استعادة الثقة في الوقاية، وتعزيز التواصل الصحي، وتحصين الفئات الهشة من عودة أمراض يمكن الحد منها بالتلقيح المنتظم. وفي هذا السياق، كانت منظمة الصحة العالمية قد شددت في مارس 2026 على أن التلقيح الروتيني ضد كوفيد-19 يجب أن يظل مطروحًا بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، مثل كبار السن والمقيمين في دور الرعاية والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، مع تحديث توصياتها لبعض الفئات الأخرى التي قد تنظر الدول في تلقيحها حسب أولوياتها الصحية.

وعالميًا، لا يبدو ملف اللقاحات أقل حساسية. فقد نقلت رويترز في فبراير 2026 عن رئيس ائتلاف ابتكارات التأهب الوبائي أن اللقاحات باتت تُعامل بوصفها قضية أمن قومي، محذرًا من أن تنامي الخطاب المتردد أو الرافض للقاحات قد يضعف الاستعداد لأي جائحة مقبلة. هذه الرسالة لا تتعلق فقط بالدول الكبرى، بل تمس أيضًا الدول التي تسعى إلى تحسين منظوماتها الصحية، لأن أي تراجع في الثقة المجتمعية يمكن أن يربك جهود الوقاية مهما كانت الخطط الرسمية متقدمة.

وفي الحالة المغربية، يبرز بعدٌ آخر لا يقل أهمية، وهو ضغط الأمراض غير السارية على المنظومة الصحية. فمكتب منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أشار في 2025 إلى أن أمراضًا مثل السرطان والسكري وارتفاع الضغط وأمراض الكلى تستهلك أكثر من 73% من الإنفاق على الأمراض طويلة الأمد في المغرب، كما أن كثافة العاملين الصحيين تظل دون الهدف الأممي. هذا يعني أن أي اضطراب في الصحة الوقائية، بما فيها التلقيح والرصد المبكر، يضيف عبئًا على نظام صحي يواجه أصلًا تحديات بنيوية في الموارد والتغطية.

ومن الزاوية التحليلية، يمكن القول إن الدرس الصحي اليوم لم يعد يقتصر على امتلاك اللقاحات أو إعلان الحملات، بل يشمل القدرة على بناء سردية ثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية. فحين تنتشر الشكوك أو تتراجع الرسائل التوعوية الدقيقة، يصبح تأثيرها مضاعفًا في المدارس والأحياء والأسواق ووسائل التواصل، وهو ما قد يعرقل التدخلات الوقائية حتى عندما تكون متاحة. لذلك، فإن أي سياسة صحية ناجحة تحتاج إلى عنصرين متوازيين: بنية صحية قادرة على الوصول، وخطاب تواصلي قادر على الإقناع.

محليًا، يظل الرهان الأكبر هو تحويل الدروس المستخلصة من موجات التفشي السابقة إلى آليات أكثر استدامة: تحسين تتبع المؤشرات، دعم الصحة المدرسية، تقوية الثقة في التطعيم، وتوجيه الجهد الوقائي نحو المناطق والفئات الأكثر هشاشة. وعالميًا، تؤكد التطورات الأخيرة أن الصحة العامة لم تعد شأنًا تقنيًا محضًا، بل ملفًا يمس الاقتصاد والتعليم والاستقرار الاجتماعي في آن واحد. وبين التجربة المغربية والنقاش الدولي، تبدو الرسالة الأساسية واحدة: الوقاية لم تعد خيارًا ثانويًا، بل خط الدفاع الأول.
+التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.